
أحمد عبد التواب
زيادة تكاليف تربية الماشية ترفع أعباء الإنتاج.. والأسواق أمام تحدي الموازنة بين تكلفة المربي والقدرة الشرائية للمواطن
لم تعد الضغوط التي تواجه سوق اللحوم الحمراء في مصر مقتصرة على حركة العرض والطلب، بل أصبحت تكلفة الإنتاج، وفي مقدمتها أسعار الأعلاف ومدخلات التربية، أحد العوامل المؤثرة في تحديد الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
ومع ارتباط جزء من هذه المدخلات بالأسواق العالمية وسعر صرف الدولار، تتزايد التحديات أمام المربين والتجار، بينما تجد الأسر المصرية نفسها أمام أعباء إضافية عند شراء أحد أهم مصادر البروتين الحيواني.
وتأتي هذه التطورات في وقت تظل فيه أسعار الغذاء من الملفات الأكثر ارتباطًا بالإنفاق اليومي للمواطنين، إذ لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار اللحوم على قيمة المشتريات، وإنما يمتد إلى قدرة الأسر على تدبير احتياجاتها الغذائية في ظل تعدد الالتزامات المعيشية.
الأعلاف.. الحلقة الأكثر تأثيرًا في تكلفة الإنتاج
تمثل الأعلاف عنصرًا رئيسيًا في تكلفة تربية الماشية، إذ تعتمد صناعة الأعلاف على خامات من بينها الذرة الصفراء وكسب فول الصويا، وهي مدخلات تتأثر أسعارها بعوامل محلية وعالمية، تشمل تكاليف الاستيراد والنقل والتداول وحركة الأسواق.
ومع ارتفاع تكلفة هذه الخامات، ترتفع الأعباء التي يتحملها المربي لتوفير الغذاء اللازم للماشية خلال دورة التربية، وهو ما قد ينعكس على تكلفة الإنتاج وسعر بيع الحيوانات للمجازر والتجار.
ولا تتوقف التأثيرات عند الأعلاف وحدها، إذ تدخل ضمن حسابات الإنتاج أيضًا تكاليف الرعاية البيطرية والعمالة والنقل والطاقة، إلى جانب تكلفة شراء الحيوانات وتمويل دورة التربية. ولذلك، فإن قياس تأثير زيادة الأسعار يتطلب النظر إلى مجمل عناصر التكلفة، وليس إلى سعر خامة واحدة بمعزل عن بقية المدخلات.
كيف يؤثر الدولار في أسعار اللحوم؟
يرتبط سعر الدولار بسوق اللحوم بصورة غير مباشرة، من خلال تأثيره في تكلفة الخامات المستوردة المستخدمة في صناعة الأعلاف، فضلًا عن بعض مستلزمات الإنتاج الأخرى.
فعندما ترتفع تكلفة استيراد الذرة الصفراء أو كسب الصويا نتيجة تغيرات سعر الصرف أو الأسعار العالمية، قد تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى تكلفة الأعلاف، ثم إلى حسابات المربين وتكلفة إنتاج اللحوم.
لكن هذا التأثير لا يحدث بالضرورة بالسرعة نفسها في جميع حلقات السوق؛ إذ يتوقف حجمه وتوقيته على المخزون المتاح، وأسعار التعاقدات السابقة، وتكاليف النقل والتوزيع، وحجم المعروض من اللحوم والطلب عليها.
ومن ثم، فإن أي تحسن مستدام في تكلفة الأعلاف أو استقرار في سعر الصرف قد يساعد على تخفيف الضغوط على المنتجين، لكنه لا يعني بالضرورة تراجع أسعار اللحوم فورًا، خاصة إذا ظلت هناك تكاليف أخرى مرتفعة.
ارتفاع أسعار اللحوم يضغط على ميزانية الأسرة
يمثل ارتفاع أسعار اللحوم تحديًا مباشرًا للأسر المصرية، خصوصًا أن اللحوم الحمراء من السلع التي قد تلجأ بعض الأسر إلى تقليل الكميات المشتراة منها عندما تتجاوز حدود ميزانيتها.
وفي هذه الحالة، تتغير أنماط الاستهلاك بين شراء كميات أقل، أو تقليل عدد مرات تناول اللحوم أسبوعيًا، أو الاتجاه إلى بدائل بروتينية أقل تكلفة وفقًا للأسعار المتاحة والقدرة الشرائية.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع اختلاف مستويات الأسعار بين المناطق ومنافذ البيع، وكذلك بين أصناف اللحوم والقطعات المختلفة. وهو ما يجعل متابعة الأسعار الفعلية في الأسواق المحلية ضرورية لتكوين صورة دقيقة عن حجم الأعباء التي يتحملها المستهلك.
هل تستمر موجة ارتفاع الأسعار؟
يتوقف اتجاه أسعار اللحوم خلال الفترة المقبلة على مجموعة من المتغيرات، في مقدمتها أسعار الأعلاف وخاماتها، وسعر الصرف، وتكاليف النقل والتربية، إلى جانب حجم المعروض المحلي ومعدلات الطلب.
كما أن زيادة المعروض وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد يمكن أن يساهما في الحد من الضغوط السعرية، بشرط توافر مستلزمات الإنتاج بتكلفة مناسبة، وقدرة المربين على مواصلة نشاطهم دون تحمل خسائر تهدد استمرارية الإنتاج.
وفي المقابل، فإن استمرار ارتفاع تكاليف التربية قد يبقي الأسعار تحت الضغط، حتى مع تراجع بعض عناصر التكلفة، بسبب اختلاف توقيت انعكاس التغيرات على مراحل الإنتاج والتوزيع.
حلول تخفف الضغوط عن المنتج والمستهلك
تتطلب مواجهة ارتفاع أسعار اللحوم التعامل مع المشكلة من جذورها، عبر العمل على استقرار تكلفة الأعلاف، وتوفير الخامات اللازمة للإنتاج، وتحسين كفاءة النقل والتداول، وتشجيع التوسع في الإنتاج المحلي.
كما تمثل متابعة حركة الأسعار في الأسواق وتعزيز المنافسة بين منافذ البيع من الأدوات المهمة لتقليل الفجوات السعرية، إلى جانب توفير بيانات واضحة تساعد المستهلك على المقارنة بين الأسعار والاختيار وفقًا لميزانيته.
وفي النهاية، تظل معادلة سوق اللحوم مرتبطة بقدرة منظومة الإنتاج على توفير المعروض بتكلفة مناسبة، دون تحميل المربي أعباء غير مستدامة أو نقل الزيادات بصورة متواصلة إلى المستهلك النهائي. فاستقرار الأسعار لا يتحقق بعامل واحد، وإنما يحتاج إلى توازن بين تكلفة الإنتاج، وحجم المعروض، وكفاءة التداول، والقدرة الشرائية للمواطنين.
Share this content:






