مجتمع

إبراهيم شعبان يكتب: “ملكة فؤاد” وأوهام وخرافات وحقائق نقل الأعضاء

على مدى سنوات طويلة، ارتبط موضوع نقل الأعضاء بخرافات واسعة، ليس أقلها أنه يمكن نقل أي عضو من أي إنسان، وأنه يمكن نقل الأعضاء خلال حياة المتبرع وبعد وفاته، بل ووصل الأمر إلى تصديق أنه يمكن لأي أحد أن يقوم بنقل الأعضاء، وخصوصًا بعدما ارتبط ذلك ببعض جرائم الخطف التي قيل إنها لأطفال أو فتيات، بغرض نقل الأعضاء والاتجار بها!!.
والحاصل أن القضية تحولت، وعبر سنوات، إلى مادة مثيرة للأعمال السينمائية والدرامية، التي حولت موضوع نقل الأعضاء إلى ثرثرة فنية، كلها كاذبة ومضللة في هذا الموضوع الخطير.
من هنا، كان لقاء الدكتورة ملكة فؤاد، أستاذ التحاليل الطبية بجامعة القاهرة، مهمًا للوقوف على بعض الأساطير والخرافات والخزعبلات في موضوع نقل الأعضاء، والتي جاءت منها في كلمات واضحة تزيل اللبس والخلط، وتنزع الخرافة عن مروجيها، حيث تؤكد أن نقل الأعضاء علم دقيق، وأن التبرع يخضع لضوابط طبية وقانونية صارمة.
وتشير الدكتورة ملكة فؤاد إلى أنها تحدثت عن موضوع نقل وزراعة الأعضاء، بعدما اكتشفت أن هناك فهمًا خاطئًا جدًا لدى قطاع من الناس لطبيعة هذا الملف، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى انتشار مخاوف وشائعات خطيرة، بل وصل الأمر إلى تداول حديث عن وجود عصابات تقتل أشخاصًا للحصول على أعضائهم. وهذا أمر كارثي من الناحية العلمية، لأن التعامل مع الأعضاء وزراعتها يخضع لقواعد طبية دقيقة للغاية، وليس بالصورة التي يتخيلها البعض.
وتواصل أن هناك معلومات أساسية يجب أن يعرفها الناس. فبعد الوفاة الكاملة، تتعرض الأعضاء للتلف نتيجة توقف الدورة الدموية ووصول الأكسجين إليها، كما تحدث تغيرات وتجلطات تؤثر على صلاحيتها للزراعة. لذلك، فإن فكرة قتل شخص بهدف الحصول على أعضائه ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، ولا يمكن التعامل مع الأعضاء وكأنها أشياء يمكن استخراجها وحفظها واستخدامها في أي وقت، فهذه جريمة.
وتشير الدكتورة ملكة فؤاد إلى أن البعض قد يخشى من دخول مستشفى ما خوفًا من سرقة أعضائه، وهذه من الأفكار التي نتجت عن المعلومات الخاطئة المنتشرة حول الموضوع.
فأحيانًا يخاف شخص من إجراء عملية أو دخول المستشفى ويقول: «ممكن يسرقوا أعضائي؟».. وتضحك.
وتشير إلى أن هذا تصور غير علمي؛ لأن زراعة الأعضاء تحتاج إلى مريض محدد، ومتبرع مناسب، وتوافقات وفحوصات دقيقة، وفريق طبي متخصص، ومركز مجهز لإجراء العملية.
فالأمر ليس عشوائيًا، ولا يمكن أن يتم بهذه الصورة التي تصورها الشائعات أو بعض المسلسلات.
وتؤكد الدكتورة ملكة فؤاد أن عملية نقل وزراعة الأعضاء تعتمد على مجموعة كبيرة من الفحوصات، لأن عدم الدقة في اختيار المتبرع أو المريض أو متابعة الحالة يمكن أن يؤدي إلى رفض الجسم للعضو المزروع، وقد يعرض حياة المريض للخطر.
وبخصوص أهم القواعد المنظمة للتبرع بالأعضاء، توضح الدكتورة ملكة أن هناك قواعد علمية وقانونية واضحة تنظم عملية التبرع ونقل الأعضاء، ويجب الالتزام بها بدقة. فالمتبرع يجب أن يتقدم بإرادته الحرة، وتجرى له مجموعة من التحاليل والفحوصات الطبية الدقيقة للتأكد من حالته الصحية، كما توجد إجراءات قانونية وإقرارات رسمية يتم توثيقها وفقًا للقواعد المنظمة للعملية.
والأهم أن التبرع لا يتم باعتبار الشخص المتبرع مجرد «مورد» للعضو، وإنما يخضع لتقييم طبي وقانوني متكامل يحمي المتبرع والمريض معًا. كما أن التوافق الجيني والمناعي شرط أساسي، فقبل إجراء عملية الزراعة يتم إجراء تحاليل وفحوصات لتحديد مدى التوافق بين المتبرع والمريض، ومنها الفحوصات المتعلقة بالتوافق المناعي والجيني.
وحول الأعضاء التي يمكن زراعتها أو نقلها، توضح ملكة فؤاد أنه ليس كل أعضاء الجسم يمكن التبرع بها أو زراعتها بالطريقة نفسها. ومن الأعضاء التي يمكن زراعتها في ظروف معينة الكليتان، كما يمكن التبرع بجزء من الكبد، وله ميزة القدرة على التجدد بدرجة كبيرة. أما زراعة القلب فتحتاج إلى ظروف طبية خاصة جدًا، وترتبط بحالات محددة يكون فيها العضو قابلًا للنقل قبل أن يفقد صلاحيته، وهي من العمليات شديدة التعقيد وتحتاج إلى مراكز متخصصة وإجراءات دقيقة.
وبخصوص وجود محاذير دينية بشأن التبرع بالأعضاء، ردت الدكتورة ملكة فؤاد أن هذا الموضوع له أبعاد دينية وفقهية، لكن من الناحية الإنسانية فإن التبرع يمكن أن يكون بهدف إنقاذ حياة إنسان، طالما يتم وفقًا للضوابط الشرعية والقانونية والطبية المعمول بها، ومن دون إلحاق الضرر بالمتبرع. والقاعدة الأساسية هي ألا يكون هناك ضرر أو إضرار، وأن يكون التبرع قائمًا على الإرادة الحرة وليس الإجبار أو الاستغلال.
وحول أكثر الأفكار الغريبة التي سمعتها عن نقل الأعضاء، قالت إن هناك الكثير من الآراء التي لا تستند إلى أساس علمي، وبعضها يصل إلى حد التهريج، خصوصًا الحديث عن إمكانية استخراج الأعضاء بعد الوفاة بفترة طويلة وتجميدها ثم استخدامها لاحقًا بصورة عشوائية.
فالواقع الطبي مختلف تمامًا؛ فالأعضاء تحتاج إلى ظروف محددة للغاية، ويجب أن تكون هناك حالة متبرع وحالة مريض مناسب في إطار منظومة طبية دقيقة، باستثناء بعض الأنسجة التي لها ظروف خاصة، مثل القرنية.
وبسؤالها عما إذا كانت هناك حالات تعيش سنوات طويلة بعد زراعة الأعضاء؟
ردت ملكة فؤاد: نعم، توجد حالات ناجحة جدًا يمكن أن يستمر فيها العضو المزروع في أداء وظيفته لسنوات طويلة، وقد تصل المتابعة في بعض الحالات إلى عقود، بشرط اختيار المتبرع والمريض بصورة صحيحة، وإجراء العملية في مركز متخصص، والالتزام بالعلاج والمتابعة الطبية.
وحول شروط نجاح عملية زراعة الأعضاء، شددت ملكة فؤاد على أن هناك عدة عوامل أساسية، منها أن يكون المتبرع في حالة صحية مناسبة، وأن يخضع للفحوصات اللازمة، وأن يكون هناك توافق مناسب بين المتبرع والمريض، وأن تتم العملية في مركز جراحي متخصص وعلى يد فريق طبي مؤهل.
كما أن رعاية المتبرع والمريض بعد العملية تمثل جزءًا أساسيًا من نجاحها. وغالبًا يحتاج المتبرع إلى فترة قصيرة للتعافي، بينما تكون السنة الأولى بالنسبة للمريض أكثر احتياجًا للمتابعة، ثم يمكنه بعد ذلك العودة تدريجيًا إلى حياته بصورة طبيعية وفقًا لحالته واستجابته للعلاج.
وحول قيام بعض الفنانين بالترويج لإمكانية التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، قالت إن الموضوع وصل إلى التهريج رغم حسن النية، فأعضاء الإنسان تتلف بعد دقائق من الوفاة ولا تصلح، ومسألة التبرع هذه قد لا تصح إلا في حالة واحدة، وهي قرنية العين، لأنها لا توجد بها شعيرات دموية، أما باقي الأعضاء، فبعد الوفاة وتجلط الدم وتوقف القلب، ماذا أفعل بها؟.
والحاصل.. أن موضوع نقل وزراعة الأعضاء من الموضوعات التي خضعت للخيال الدرامي، وفهمها الناس بالمقلوب، بل امتد الأمر لارتكاب جرائم بدافع سرقة أعضاء الضحايا، وهنا الجريمة متشابكة مع الجهل، ولا يمكن لميت أن يتبرع ببعض من أعضائه بعد دقائق قليلة من الوفاة، وهذا قولًا واحدًا. وهذه بداية حديث في موضوع طبي خطير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى